مقدمة بن كريشان

7:28 ص Crono 12 Comments


تبنى الحضارات على القيم الأنسانيه العادله..وليس على الكراهيه.







في المقدمه، أستخدمت هذا العنوان محاكاة لكتاب المقدمه لأبن خلدون، أول كاتب في التاريخ تطرق الى علم الأجتماع. لم يكن هو من سمّاه بهذا الأسم، بل أوغوستي كومتي١٧٩٨-١٨٥٧. وتلاه علماء كثيرون من ضمنهم هيربيرت سبنسر وكارل ماركس و إيميل دوركهايم و ماكس ويبر. وقبل أن تبدؤا بالتثاؤب أطمئنكم فلست بصدد الكتابه في مقدمتي هذه عن شيء أكاديمي ممل. وأنتم لاتلامون فعلم الأجتماع في بلاد الرمال كان أكثر العلوم ضحية للبروباغاندا السياسيه من قبل الحكومات والتيارات الأسلاميه. فمايسمى لدينا بعلم الأجتماع ليس له علاقة بالعلم الذي يدرس في بقية بلاد العالم..ليس له حتى علاقه بالعلم مما حدا ببعض مناهج دول بلاد الرمال أن تعيد تسميته بإجتماعيات.

عندما تلاقي خريج كلية إجتماع في بلاد الرمال، عذا إن كنت قارئي منهم فأنا أتكلم عن تدريس علم الأجتماع في إمارات الرمال وماجاورها من بلاد الأشقاء العربان والتي تجد خريج الأجتماع فيها لايفقه أي شيء عن المجتمعات وتصنيفاتها وتأثيراتها. منهج علم الأجتماع عندنا هو منهج تلفيقي يقدم خليطا من الدعوذه الدينيه ممزوجه بتمويه تاريخي تجزييئي ثأري لواّم. وهنا تعود بي الذاكرة بعيدا الى أيام لوس أنجليس فأثناء دراستي هناك كان يتعين علىّ أن أخذ مادة أختياريه خارج التخصص، فأخترت مدخل علم الأجتماع. وكان مدرس المساق البروفيسور ستيف هينسلين ( في أمريكا لا يحبون الألقاب فمع أنه بروفيسور بحق إلا أنه يحب أن نناديه هاي ستيف). لقد فتحت تلك المادة مداركي في حب تفهم الأنسانيه وكانت شيئا صادما لطالب يقضي معظم دراسته في فك وتركيب معادلات رياضيه ودراسات فيزيائيه. إلا أن تجربة معينه دفعتني الى التعلق به وقراءة المزيد من الدراسات الأجتماعيه والفكريه لاحقا كهوايه، وأستمعوا لقصتي مع بروفيسور ستيف.

كان يوما شتويا باردا لايقصد به الناس الشواطيء. إلا إنني ولفرط الملل والحاجة للتفريج عن نفسي برؤية أمواج المحيط قدت سيارتي الى سانتا مونيكا بيير. هناك جيتي خشبي فوق البحر بأمكانك أن تمشي عليه وتجلس تصطاد، أو تستمتع بالجلوس في أحد المقاهي أو البارات والمطاعم. أتذكر انني أشتريت سندويتشة هامبرغر وذهبت لأجلس على مقعد مقابل الشاطيء وأتأمل طيور البحر تحاول أختطاف مايصيده الناس..وبينما أنا هكذا فجأة ، جلس بجانبي أحد المشردين. لا أدري أن كان مشرد هو تعبير صحيح باللغة العربيه ولكنها بالأنكليزيه (هومليس) أي بدون بيت. كانت السندويتشه كالعاده في أمريكا سوبرسايز(عملاقه) ويحتاج الأنسان العربي المتعود على أكل الشوارما يومين كاملين قبل أن يلتهمها كلها، فلم أكد ابلغ نصفها حتى شبعت..حين سألني الرجل فجأة أن كنت لست بحاجة إليها؟ فعرضت عليه أن أشترى له واحدة أخرى ، فأجابني وبلغة أنكليزيه متعلمه: لاداعي صدقني فهذه أنظف من طعام الملجأ الذي يشبه معسكرات التعذيب النازيه.





سألت البروفيسور ستيف عن ظاهرة المشردين في الغرب، وقلت له ان هذه الظاهرة غير موجودة لدينا. فمالسبب الذي يجعل رجلا متعلما يترك الحياة والزوجة والعمل ليعيش متشردا بلا بيت يأويه؟ وكنت عندها مثل بقية العرب المتبجحين بما عندنا من روابط أسريه على عكس العالم الغربي الذي فيه وفيه من التفكك والأنحلال..كما تقول لنا بروباجندا إعلامنا المشوشره.

أجابني البروفيسور بأن هؤلاء في الأغلب هكذا كردة فعل نفسيه ورفضا وأحتجاجا باطنيا على مايفرض عليهم من الجماعه المسيطره، فعندما تنهكهم متطلبات المجتمع بما فيه أسرهم، يصدون عن كل شيء ويتركون كل مالديهم ويذهبون. أنه رفض وهجرة بعيدا عن "المجموعه الأجتماعيه " المحيطة بهم ، والتي تؤثر عليهم وتحدد لهم كيف يعيشون وكيف يتصرفون. ( في بلاد الرمال نلاحظ هذا على الشخص الذي يرفض مجتمعه فيتأسلف وينعزل عنه)

وهكذا يا أخوان فأن فهم أهمية المجتمع تكمن في الطريقه التي يؤثر بها على أفراده. فالمجتمع في النهايه ماهو إلا مجموعة من الأفراد الذين يشتركون بأرض يقيمون عليها ولهم بناء على ذلك ، خصائص ثقافيه. ومن مشاكل المجتمعات الأنسانيه هو طبقيتها. فلكي تفهم أسباب تصرفات أي فرد فيها، يجب بالضروره ان تعرف من أي طبقة في المجتمع يأتي. هذه الطبقيه هي نوع من توزيع الأدوار بين افراد المجتمع. ( شاهد فيلم داينجروس بيوتي لكاترين مكاورماك الذي تدور أحداثه في فينيسيا لترى تاثير الطبقه على المصير).

الى جانب الطبقيه هناك عوامل أخرى، كالوظيفه، والجنس، والدخل، والعمر، والتعليم والأصل وألأثنيه للفرد كلها عوامل فاعله في التاثير على حركة المجتمع. فمثلا أول مايتعلمه الطفل في مجتمعه هو الفرق بين الذكر والأنثى. فبمجرد مايدرك الطفل أنه ينتمى الى مجموعة الذكور، وبمجرد ماتعرف الطفلة أنها جزء من مجموعة تسمى الأناث حتى تبدأ سلوكياتهما بالتاقلم والأختلاف. أن ذلك لايؤثر فقط على التصرفات الأنيه بل حتى على أهداف هذا الطفل وماذا يريد ان يكون عندما يكبر.





ثقافة المجتمع تتشكل بتأثيرين رئيسيين. الأول هو الأحداث التاريخيه التي يمر بها المجتمع، والثاني هو الخبرات الشخصيه لأفراده. الأحداث التاريخيه لاتعني بالضروره غزو نابليون لروسيا مثلا..بل سلسلة الأحداث التي يمر بها وتؤثر عليه. العلاقه بين الأثنين تشكل الثقافه الأجتماعيه للمجتمع. وعلى هذا فلو أخذت طفلا من بلاد الرمال الى غابات الأمازون ليتربى عند قبائل اليانومامو فستعود لتجده لايتكلم العربيه، بل اليانوماموميه ( قولوها ثلاث مرات ولكم جائزه) ولن يفكر مثل الشيخ سلمان العوده أو الشيخ علي جمعه ولن يطيل لحية سلفيه أو يلوك مسواكا. بل ستجده ربما صيادا يانوماموميا يسبح خلف التماسيح في مياه الأمازون. وهكذا فأن المجتمع والمجموعه الأجتماعيه هي ماتشكل الفرد ونظرته الى الحياة وتعامله مع الأخرين.

علم الأجتماع ليس أختراعا بل أكتشاف لشيء موجود تم ملاحظته ودراسته. حتى الناس القدماء أدركوا وجوده وحاولوا أن يفهموا لماذا فلان غني وأخر فقير ولماذا هذه أنثى وذاك ذكر ووضعوا قواعد لفهم حياتهم الأجتماعيه وأسبابها. وكانت تفسيراتهم لهذا بالخرافة أو بالسحر أو مواقع النجوم والأبراج أو الأديان والله أو الحسد والعين الحاره وغيرها من الأساطير.

مجيء العلم وبالذات تقنين طريقة البحث العلمي أدت الى أكتشافنا الشيء الكثير عن أختلافاتنا الأجتماعيه ومسبباتها. وكان ذلك في بداية القرن التاسع عشر فقط. طريقة البحث العلمي، تعتمد على أطلاق نظريات تفسر الظواهر، ثم أختبارها والقيام بالملاحظه والمراقبه. إلا أن حدثا هاما قلب موازين علم الأجتماع كلها على عقب في ذلك الزمان..أنها الثورة الصناعيه.







عشرات الألوف من البشر صاروا ينتقلون من الأرياف الى المدن بحثا عن الحياة والعمل. إنقطعت روابطهم مع القرية والبلدة ومجتمعاتهم التي كانت تقدم لهم الأجابات الجاهزه عما يحدث من حولهم وتفسره لهم. فقدوا كل ذلك وأختفى وجه رجل الدين الذي يعزو كل شيء ويفسره بمايريده الله لهم من خير وأبتلاء. هذه المدن استقبلتهم بظروف عمل شاقه بساعات طويله وحياة قاسية لاتطاق، فيها كل جوانب الأستغلال البشري حتى ان الأطفال والنساء يُشغّلوا كعماله رخيصه وكانوا يقيدون بالسلاسل الى آلات المصنع لمنع هروبهم في أعمال خطره تهدد الحياة وتسبب الأعاقه وبإجور منخفضة جدا.

لم تعد الحياة كما كانت، لم تعد التقاليد الأجتماعيه كما يعرفونها، لم يستطيعوا أن يعتمدوا على تفسيرات الحياة الجاهزه السابقه. وبينما هم كذلك تقوم الثورة الفرنسيه ثم تتبعها الثورة الأمريكيه وظهرت أفكار جديده لم تكن معهودة من قبل. وأهمها حقوق الأنسان الفرد التي لايمكن المساومة عليها. إندلعت هذه الأفكار كالنار وصارت عروش أوروبا تتساقط أو تنزاح جانبا لدخول نظم ديموقراطيه. لقد وجد الناس بأن أجابات رجال الدين لماكان يحدث من حولهم غير مرضيه..فأخذوا الأمور بأيديهم.

الجدير بالذكر انه بينما كانت الثورة الفرنسيه تقوم و تنشر مبادئها في العالم..ظهر متزامنا معها وفي نفس الوقت تقريبا حركة رجعيه قادها محمد عبدالوهاب في الجزيره العربيه. قامت على مفاهيم تخلفيه دمويه و أختارت تطبيق أشد الألتزام الحرفي بالأسلام مقرونا مع إنزال اشد العقوبات لأبسط المخالفات. فبينما كانت أوروبا تمر بعصر النهضه لتدخل العصر الحديث ، بدأت بلاد الرمال حركتها العكسيه التقهقريه على يد السلفيه..والى طريق ستكون في نهايته كما كانت أوروبا في عصر جون كالفين ومحاكم التفتيش الأسبانيه وحرق الساحرات.






للوهابيه التي لايروق لأصحابها تسميتها ذلك- يفضلون إسم السلفيه يشوفنه أحلى- تأثير قوي جدا على كل بلاد الرمال من أدناها الى اقصاها بلا إستثناء. لم يشعر بها الناس في كل مكان بداية ، ولكن الأحداث السياسيه والموازن الدوليه جعلت السعوديه اهم لاعب سياسي بين جميع الدول العربيه..وشيئا فشيئا سقطت جميع النظم والحركات العربيه من تقدميه وتحرريه وديموقراطيه وقوميه..ولم يبق في الساحة اليوم الا..السلفيه الدينيه السعوديه المصدر والتمويل و التى أنتشرت اليوم من الخليج للمحيط..ترى الناس يتأسلفون يوميا من حولك و في كل مكان وكأنه وباء الطاعون.



مع سقوط السلطنه العثمانيه بعد الحرب العالميه الأولى مر العرب بحركتين متطرفتين أكلتا الأخضر واليابس. كلاهما ردة فعل لسقوط تركيا العثمانيه وبداية عصور الأستقلال .تمثلت الأولى بالحركه القوميه العربيه والتي أفرزت نُظما فاشيه دكتاتوريه مقيده للحريات الشخصيه، قامعة للمجتمعات. وبعد فشل الأولى أعقبتها أختها اللدوده الحركه السلفيه التي مازالت تخترق كل الحدود كما قلنا وتحولت الى وحش إهابي يهدد كل العالم. عندما قامت النظم القوميه بموالية الأتحاد السوفيتي مثل مصر عبدالناصر ، والبعث في سوريا والعراق والجزائر أيام بومدين..وحتى ليبيا واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينيه..هرب ألاف من المتدينين الحزبيين من كل الدول القوميه لاجئين الى السعوديه معقل السلف. وهنا صار أنصهار من فكر هؤلاء الى فكر السلف. أخيرا محمد قطب ينشر كتاب أخيه سيد قطب معالم على الطريق في السعوديه بلمسات سلفيه فأصبح أنجيل الأرهابيين الأسلاميين الأول اليوم. كانت أمريكا عندها تدعم السلفيه الدينيه بكل قوتها وتفتح أبوابها لهم للتجنيد في أمريكا وفي جامعاتها. .ثم حرب افغانستان..ثم الحادى عشر من سبتمبر..ثم العراق..والقاعده والأرهاب والفوضى في كل مكان.




يكتب لي البعض أحيانا إيميلا أو تعليقا يعبرون فيه عن غاضبهم فيقولون: أذهب الى أسيادك الأمريكان. في الواقع ان أمريكا في لعبتها السياسيه أيام الحرب البارده ضد الأتحاد السوفيتي قد تسببت بتدمير بلادنا سياسيا وأجتماعيا..وعلينا لو كنا من العقال أن نطالبها بدفع ثمن ما حدث. أن الحركة الأسلاميه الجهاديه بمافيها القاعده هي تحالف أمريكي سعودي سلفي قديم كان موجها ضد القوميين العرب وولائهم للسوفييت ، ثم تعزز في مرحلة أخرى بالأتفاق على أرسال المجاهدين الى أفغانستان. أنه تحالف كان هدفه أسقاط النظم القوميه وطرد الروس من أفغانستان. ولكن أنقلب السحر على الساحر الأول السعوديه ، بأغتيال بن لادن لعبدالله عزام "رفيقه في الكفاح" والذي كان رجل السعوديه الأول في أفغانستان ..ثم فر بن لادن من السعوديه وشكل منظمة القاعده وضرب أمريكا ..الساحر الثاني..ثم عاد وهاجم السعوديه نفسها بأعمال الأرهابيه وكفر حكومتها وبيت آل سعود.

لم يذكر العرب في تاريخهم أوروبا كأسم إلا نادرا. فهم لم يكن تهمهم جغرافيا الأماكن بقدر ماكان يهمهم الأقوام والأديان. فكانوا يقولون أرض الروم وارض الفرس، وإن قالوا أفريقيه فهي تلك الصحراء في شمال افريقيا و يبدؤونها من غرب مدينة الفسطاط ( جزء من القاهره اليوم). أما شمالا فكان هناك الروم وهم اليونان متمثلة بالدوله البيزنطيه وأملاكها في شرق أوروبا ومابعد ذلك كان ارض الفرنجه وهو غرب اوروبا. في حروبهم مع الاسبان لم يقولوا حتى كلمة كاثوليك بل الفرنج النصارى. أما القوام الأخرى فهم بلاد الترك أو مثلا ارض الصقالبه وهم السلاف مثل الروس والبولنديين. في اللغه التركيه مثلا لليوم يقولون بلغارستان..أرض البلغار وليس بلغاريا.

كان الديانات القديمه لاتقوم بالدعوة والتبشير، فلاالهندوسيه ولا البوذيه ولا اليهوديه. هناك ديانتان تحبان الدعوذه وتعتقدان أن مالديهما هي اخر الرسائل من الرب وبالتالي فعليهم تبليغ الدعوه كما يقول المسلمون أو تبليغ البشاره كما يقول المسيحيون. هاجم المسلمون الأراضي الأوروبيه شمالا من أسيا الصغرى ومن قبرص ومن صقليه واسبانيا والبرتغال. ثم انقلب الحال وهاجم المسيحيون أرض المسلمين في الحروب الصليبيه. ثم تغير العالم وتطور، واتضح ان قوة العلم اصبحت اخيرا بيد الاوروبيون وليس المسلمون. فهل هناك من (عفا الله عماسلف)

الأوروبيون لم ينكروا ابدا انهم بدؤا باحياء علوم الغريق واعتمدوا على علوم العرب وبنوا عليها. العرب حاولوا ذلك منذ القرن التاسع عشر فأوفد محمد علي باشا البعثات التعليميه الى اوروبا ومامن شك أن العرب دهشوا بما راوه هناك بعد سقوط سلطان الخلافه العثمانيه الظالمه عنهم. الا أنه عندما تقرا لهم لاتجد إعجابا بل غضبا وحسدا. فعندما قال جمال الدين الافغاني او ربما محمد عبده عنهم " وجدت مسلمين بلا إسلام" كان يقصد انه نحن الذين يجب ان نكون هكذا وليسوا هم. كانت النظره العدائيه للعالم المسيحي مازالت قائمه، فالعربي عندما يحقد ويكره شخص يكره ابن عمه وجميع طوائفه.

هناك مقولة لأحد المفكرين الغربيين: " لا ار سببا يمنع العرب من تقليد مافعلته أوروبا، فان هم مشوا بنفس الطريق فسيتمكنون من اعادة بناء قوتهم لامحاله."






هذه المقوله تبدو كأن أحدا يغششك في الامتحان. ولكن الذي فعله العرب حقيقة هو العكس تماما. بداية قام العرب بتطبيق النموذج الأوروبي. صدقوني حتى مملكة الرمال الكبرى تعتمد على نظم إداريه غربيه في وزاراتها وجمهوري إسلامي تبنى ديموقراطيتها على النموذج الغربي كذلك..مع انهم مكابرون. إلا أن الفشل حصل بعد ذلك في الدوله العربيه الحديثه وخاصة في المجالين السياسي والأقتصادي. هناك دول عربيه استقلت في الأربعينيات سوريا مثلا ، وكنها فشلت أن تبنى نظاما إقتصاديا. مقارنة بكوريا وتايوان واللتان كانتا تعانيان المجاعات حتى حقبة الخمسينيات. فمن بظنكم وضعت نظمنا اللوم عليه؟ بالطبع اللي كايدينا..أوروبا والغرب.

لو اخذت دولة كالجزائر اليوم وبعدد سكانها لوجدت انها اغنى بكثير من الأمارات والكويت وقطر ..أما لو اضفت الى ذلك إمكانياتها الأخرى من سياحة وزراعة وتصنيع..فهي أغنى حتى منهم إضافة للسعوديه. ومع هذا فنصف سكانها عاطلين عن العمل.

الفشل العربي السياسي والأقتصادي مستغلان تماما كذريعة للتغطية على المسؤليه الحقيقيه و تغذية الحنق والكراهيه ضد الغرب. وهي صورة مشوهة عن الحقيقه، فجزائر الاستعمار كانت اقوى اقتصاديا من جزائر الداي تحت الحكم العثماني، وكانت اقوى أقتصاد افريقي على الأطلاق، ينافس جمهورية جنوب أفريقيا.لا نقول نعود للأستعمار ولكن كان ممكن للجزائر ان تتصالح مع نفسها و فرنسا وتعود لتبنى على ماورثت، لا أن تدمره تماما بالحقد والكراهيه.


أخيرا أقتنع العرب بان تطبيق النموذج الأوروبي هو سبب فشلنا ويجب بنا العودة للوراء وتطبيق النموذج السلفي السعودي المبني على تقليد اسلافنا في القرن الحجري أو العصر السابع ايام شرب ابوال الأبل. يتحسر الأنسان على المجتمع العربي الذي رغم فشل النظم القوميه إلا ان لها يدا في تحرير المرأه والتعليم.




أمس الأول ذهبت الى أحد المراكز التجاريه وعندما دخلته كان اذان المغرب قد انتهى للتو. كان المركز يعج بكثير من العرب. فهذا فلسطيني وذاك سوداني، وهنا سوري وهناك مصري..مع زوجاتهم واولادهم. كل الزوجات محجبات، وحتى البنات الصغيرات ولكن..لم يكن احد منهم يصلى! إنها فترة الصلاة وهو الوقت الذي اهرب منه لأضيع وقتي في مكان لايراني فيه احد. فالناس المتدينين في المساجد حتى الساعه التاسعه والنصف تقريبا هنا في الجزء الشرقي من بلاد الرمال العربيه. ماذا يفعل هؤلاء هنا؟ ولماذا لا احد منهم يصلى؟ أنه المرض الأجتماعي، الكراهيه الدفينه للغرب. هذا هو تعبير عن تعاطفهم مع مجتمعهم وكراهيتهم للغرب بالعوده للحجاب كرمز لرفض اي شيء غربي وتأييدهم لأي شيء حتى لو كان الماقبل حضاره ، اي شيء ماشي بس المهم ، يغذي الحقد والكراهيه لدينا.. اليس ذلك سيكوباثيه أجتماعيه؟


وهنا أعود الى ماقاله ذلك المفكر الأوروبي وأقول مالذي نفعله بأنفسنا؟ أهذا مرض نفسي؟ أنه مرض أجتماعي يقوم على رفض النجاح، رفض النمو، رفض التفوق..كوننا فشلنا في التطبيق لا يعني ان النظام خاطيء، والدليل نجاح غيرنا فيه. نحن لم نحسن إستعماله فقط. لايعني ذلك ان نصدق اناس مهبولين يقولون أن الطريقه الصحيحه هي العوده للقرن السابع ميلادي الى شيء مات وانتهى..فهذه حماقه.



أهم العوامل التي تؤثر في بنائنا الجتماعي كأممم، هو عنصر الكراهيه والحقد للغرب. بعد نهاية الحرب العالميه الثانيه وتحرير فرنسا، قرر الجنرال ديغول بأن مستقبل فرنسا سيكون مع اوروبا وليس أمريكا، لقد أدرك بحسه ان تعاونه مع المانيا الجديده " العدوة التي حارب ضدها" هو المستقبل. ديغول هو الذي وضع بذور الأتحاد الاوروبي الذي نراه اليوم. ونحن كذلك علينا ان نتصالح مع أنفسنا ومع الماضي ومع الغرب. يكفي حقدا وكراهيه.




الحقد والكراهيه ضد الغرب مرض إجتماعي يعترض سبيل تطور اممنا ويدفع بنا الى مجاهل الفشل والفقر والتخلف.

صار المواطن العربي اليوم في بلاد الرمال مسخ حقود متورم بالجهاله وعقدة الضحيه، لايعي أي معنى من معاني النبل والتسامي الأنساني في هذه الحياة، لايدرك كيف تقدمت الأمم ولا يعرف لماذا هو هكذا ؟ دعوني أعطيكم مثالاكلاسيكيا تلمسونه من حولكم يوميا: شخص أرسل لي صفحته في فيس بووك حيث ظهر فيها حضرته لابس جينز وتي شيرت و يجلس على سيارة سبور..ثم وضع صور شي جيفارا وكتب تحته بطل النضال، و صورة هيفاء وهبي وكتب تحتها القطه الشقيه.. وصورة مصعب الزرقاوي وكتب تحتها قاهر الكفر..أفهمتم ما أعني؟

لايراجع الأفراد في مجتمعاتنا في بلاد الرمال أدورهم في هذه الحياة..فقد تحولوا الى مسخ من الجهلة الذين شوهت أدمغتهم بأستغلال الأثاره..تارة قضية فلسطين وتارة غزو العراق..ببساطه دخل العربي القومي الذي كان ثائرا ضد المؤامره الأستعماريه الأمبرياليه الصهيونيه الكبرى ومناديا بالقوميه والوحده العربيه في القمقم...وربى ذقنه، ثم خرج علينا مرة أخرى جنيا يصيح بأنها المؤامرة الغربيه الصليبيه الصهيونيه الكبرى ومناديا بالعودة للدين وإقامة الخلافه الإسلاميه.




القوميه والأسلاميه حركتان فاشيتان تقومان على الكراهيه والعنفيه. ومن ينادى بالأعتدال والوسطيه لديهم فهو خائن، ومن ينادي بالعلمانيه عندهم فهو كافر وعميل ..ومن ينادي بالحريه فهو صهيوني منحل..دوامة فارغه تدور وتدور بنا ..وتسحب المجتمع و مستقبل أجياله القادمه الى القاع.










كلمة أخيره، أن القوى التي تقوم على الكراهيه والحقد هي أيدولوجيات. النازيه كانت ايدولوجيه، الفاشيه كانت ايدولوجيه، الشيوعيه كانت ايدولوجيه. الأخيره مثلا كان لها أمل في العالميه لو ينخر الحقد فيها ضد الرأسماليه فتنازلت عن قيمها الأنسانيه في العداله الأجتماعيه وصارت اداة ظلم وقمع. الأسلام السياسي مثل القوميه العربيه أيدولوجيات مبنيه على الحقد وكره الأخر..وسينهار الأول ، كما أنهارت الثانيه حسب قانون التاريخ.ان الكراهيه والحقد على الغرب هي الأجابات الجاهزه التي يقدمها القومجي الفاشل والمتأسلف الجديد ليكذبوا علينا. الثوره الصناعيه في اوروبا قضت على ذلك فمتى تقضي ثورتنا الأجتماعيه على هؤلاء؟

ما أردت قوله أن دراسة علم الأجتماع بطريقة علميه خالية من الأنحياز سيعلمنا قراءة أنفسنا وسيكشف لنا عن كثير من الأمراض النفسيه في مجتمعاتنا القائمه على تأجيج الكراهيه ضد الغير مسلم وضد الغرب والتي تسبب بها القوميون والسلفيون والسياسه الأمريكيه في مجتمعاتنا..ومتى عُرف الداء..سهُل الشفاء.


بن كريشان





هناك 12 تعليقًا:

  1. الثورة الأمريكية سبقت الثورة الفرنسية.

    ردحذف