رأي الأغلبيه..وقطيع الثيران البريه

8:12 ص Crono 1 Comments

لو آمن أغلب الناس بالاسلام ..اسيجعله ذلك ديناً صحيحاً؟





يكتب لي بعض المؤمنين او يعلقون في مدونتنا هذه ليقولون: لو كان الإلحاد صحيحاً فلماذا عددكم قليل؟ ايقصدون ان الإسلام هو الدين الصحيح لأن له مليار من الاتباع؟

يبدو ان كثير من الناس يبنون قاعدة تفكيرهم حول ماهو صحيح و ماهو خطأ ، بناء على رأي غالبية الناس من حولهم. وهنا خلط كبير، فأحياناً نقرأ في إحصائيه أن اغلب الناس إتفقت على كذا او صوتت لرأي يقول كذا..فهل يجعل ذلك منه حقيقة؟ هل يجوز أن نفترض أن طريقتنا لمعرفة الصح من الكذب هي عدد الناس الذين يظنون ذلك؟

هذا المعيار يُصنف من ضمن الاخطاء المنطقيه الشائعه في التفكير، و هو مشابه للاعتماد على رأي " السلطه" كدليل ولمعرفة الخطأ من الصواب اي أن نقول مثال على ذلك أن هذا أمراً أجمع عليه الفقهاء، او أنه رأي الشيخ بن باز او العلامه روح الله اية الله حجة الله أبو لحيه طويله، أو الحاكم او الدكتور وهكذا. الاعتماد على إعتقاد الاغلبيه لمعرفة الصح من الغلط ، لايختلف ابداً عن الاعتماد على رأي فرد يمثل سلطة ما " دينيه او سياسيه او حزبيه الخ". الفرق ان السلطه هنا تصبح رأي أغلب الناس، و ليس فرداً محدداً بذاته.




إن مُجرد وجود عدد كبير من الناس الذين يعتقدون بشيء واسع الانتشار كالتنجيم و ابراج الحظ ، لايجعل منه حقيقه. الغالبيه من الناس في بلاد الرمال تعتقد بوجود مؤامرات غربيه ضدها، إعتقاد واسع الانتشار، ولكن ذلك لايكفي ليصبح حقيقة.

قد يؤمن فرد من الناس بكل إخلاص و إقتناع و بشكل راسخ بحقيقة شيء ما، مع انه خطأ. وكذلك قد يؤمن عدد كبير من الافراد بحقيقة شيء ما، مع انه خطأ ايضاً. الأمر سيان. فقابلية إقتناع مجموعة كبيرة من الناس بصحة فكرة خاطئه..هو أمر وارد تماماً.



يقدم التاريخ أدلة وافرة على حدوث هذا، فكثير من الاعتقادات السائده عند الاغلبيه من الناس ثبتت اليوم انها باطله. كانت الناس تظن ان الارض مسطحه، وان الشمس تجري في السماء و أن هناك سماوات سبع كالسقف فوقنا وكانت الناس تؤمن بوجود جن واشباح و عفاريت وكانت تؤمن بحقيقة الحسد و السحر و الطلاسم و الرقيه..الان طلع كل هذا فالصو مع ان غالبيه الناس كانت تؤمن بها.

من الاعتقادات القديمه عند العرب هو إعتقاد بعدم وجود علاقه بين الليل و النهار وبين الشمس وان الليل هو الذي يغطي الشمس كاللحاف، ثم يأتي النهار فيكشف اللحاف فتظهر الشمس، وهذا مذكور في القرءان بتعاقب الليل و النهار.

يعتقد بعض الناس ان الديموقراطيه هي طريقة لمعرفة الحقيقه ولكن هذا ليس بصحيح ،الديموقراطيه مجرد نظام يهدف الى تحقيق عدالة إجتماعيه و سياسيه، وليس نظام علمي. أنا احترم الديموقراطيه كنظام ولكن إذا كان الشعب جاهلاً في اغلبه، فمن الطبيعي ان ينتخب حكومة إسلاميه تعتمد على الخرافه. الاناء ينضح بما فيه، وحتى لو طبقت العلمانيه فلن يمنع ان ينتخب الشعب حزباً فاشياً. ويحدث في الدول التي تطبق الديموقراطيه ان تصوت الاغلبيه لصالح قوانين اقل ما توصف به بأنها غبيه او مجحفه تجاه الاقليات أو كما هو الحال في الكويت فرغم الديموقراطيه نجد ان قوانيناً تصدرها الاغلبيه تتعارض مع حريات الناس الفرديه ( منع الاحتفال براس السنه و حظر المشروبات ومعاقبة فاطر رمضان). الديموقراطيه هي مجرد إجراءات للوصول الى إتفاق عام حول سياسه او قانون..ولايعني بالضروره ان النتيجه صحيحة دائماً؟



هل يستطيع علماء الفيزياء تحديد عمر الكون بعمل إستفتاء بين الناس يأخذون به رأي الاغلبيه، هل يستطيع الجيولوجي ان يكتشف النفط بناء على رأي اغلب الناس؟ بالطبع لا..الوصول الى الحقيقه و العداله مهم ، بس لايعني ذلك ان رأي الاغلبيه هو المحك والمعيار و المقياس، فهناك اساليب عقلانيه اكثيره افضل من الاعتماد على مايعتقده غالب الناس.

كتبت مرة أن لو ثلاثمائة مليون عربي يصدقون بان الله موجود، فذلك لايكفي دليلاً. وكذلك لو مليار و نصف مسلم يضم صوته اليهم..ليس هذا معياراً كافيا لتأكيد الحقيقه.


وحتى لو اعترفت الامم المتحده بهذا وحصلوا على موافقة مسبقه من العالم بأسره ، فلن يشكل ذلك حقيقة صحيحه وتبقى مسألة قابلة للنقد و الشك و الخطأ.. تستخدم الديموقراطيه الحديثه اسلوبا يسمي كونسينسوس جنتيوم و يعني "توافق الاراء" و هو معيار يستخدم لتجنب تسلط رأي الاغلبيه الذي قد يكون خاطأً..على رأي أقلية يحتمل الصواب أكثر منهم.

هذا الاسلوب يهدف الى تبيان انه حتى لو كان جميع افراد المجموعه يعتقدون بصحة شيء ويؤمنون بذلك بصدق نيه، فإحتمال الخطأ موجود ولم يذهب بعيداً..ويؤكد انه من المهم ان نستمع الى تلك الاصوات الصغيره المُخالفه و التي تفكر بإستقلاليه و عقلانيه و بدون ان تتأثر برأي المجموعه الكبيره من الاغلبيه.



قد يندفع قائد الثيران البريه ويتبعه القطيع، و يسقطون جميعا من على هاويه..فإتبّاع القطيع، لايعني دائماً نجاتك .. مثلما ان اتبّاع رأي الاغلبيه لا يعني دائماَ انك على صواب.


بن كريشان

هناك تعليق واحد:

  1. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو على كل شيئ قدير و أشهد أن محمدا عبده و رسوله بلغ الرسالة و أدى الأمانة و نصح الأمة و جاهد في سبيل الله حق جهاده
    و أنا على ما أقول من الشاهدين

    ردحذف