ماهو الاسلام السياسي بالضبط؟

8:43 ص Crono 5 Comments



عالم السياسة العربيه مليءٌ بالمواراة وعدم التصريح المُباشر لمعنى المُسميات ومنها مصطلحٌ اسمه الاسلام السياسي. يظن البعض منا ان هؤلاء هم جماعة القاعدة، ويظن البعض الاخر انهم الاخوانجيون المسلمون و اتباعهم الحمساويون او ربما حزب الله الشيعي. في الواقع ان الاسلام السياسي اليوم اكثر من مجرد حركـات سياسية تهدف الى زعزعة نظم الحكم القائمه في بلاد الرمال، انها بطاطا غريبه تعيش في ضمير كثير من مواطنين بلاد الرمال وهي خليط وتركيبة نفسية عجيبه.


سأحاول في مقال اليوم ان اعـرّف هذا الشيء وابسطه للقاريء، فالنبدأ بقولنا ان من يتبنى هذا الموقف في جميع اشكاله هو في الواقع من هؤلاء الذين يؤمنون بأن الحل الناجح الوحيد في الحُكم واقامة الحُكومـات في بلاد الرمال هو الحل الثيوقراطي. لحظه سيقول احدكم، يابن هو انا فهمت الاولانيه عشان افهم الثانيه؟ حسناً الثيوقراطيه على بلاطه هي حكم رجال الدين للشعب واستئثارهم من دون العالمين. الثيوقراطيه نمط من الحكم انتشر في اوروبا في القرون الوسطى وعصور الظلام، وبينما استخدم السلاطين والخلافاء العرب الادعاء بتمثيل الله و رغبته الا ان حكومات ثيوقراطيه لم توجد في التاريخ الاسلامي ربما قبل ظهور مملكة الرمال الكبرى وجمهورية إسلامي ايران وان كانت الاخيره اصدق تمثيلاً لهذا وعلى عكس مملكة الرمال لأنها تحكم من المشايخ والملالوله مباشرة .



الثيوقراطيون لايرون ان هناك فصلاً بين الدين و بين الدولة و الحكومه، بعبارة اخري فهؤلاء الثيوقراطيون سواءً كانوا رجال دينٍ ام من يؤيدُ هذه لفكره هم في الواقع انصار الاسلام السياسي. وهؤلاء يعتبرون حتى المُسلم الرافض لهذا التوجه في حكم الكافر الذي يبرر قتله. انهم متطرفون لايؤمنون بوجود حتى حلٍ وسط. احياناً نراهم بوضوح في تمثيلهم لأحزابٍ سواء منتخبة في البرلمانات و احياناً نستشفُّهم مِن خلالِ كلامَهم و خاصةً ما الاحظه في التعليقات التي ترد على مُدونتكم هذه او في الرسائل التي تردني بالايميل.


ولكن هل وصفي الاسلامَ السياسي بالثيوقراطيه او فكرة الحكم الديني هو وصفٌ وتعريفٌ كافٍ؟



الحقيقة لا، فهذا الوصف مايزال ناقصاً في توضيح حقيقة اتباع الاسلام السياسي. لأن هذا النوع من الثيوقراطيه ليس الحكم الديني بل دعنا نسميه" الحكم الاسلامي الوطني". وهذا ما يضاعف من صعوبة فهم هذا الاتجاه الغريب. ودعونا ايضاً ان نقول ان هذه الوطنيه لاتحتوي على معنى ايجابي كحُبِّ الوطن و الاخلاص لترابه لا ليس هذا المقصود بها، فالاسلام السياسي لايعترف بالاوطان بل بما يسميه الامُّه، فهو عنصرية غير عرقيه و انما عنصرية دينيه فاشية النزعه.



حلو، إذاً الاسلام السياسي يحتكر الحُكم في دينٍ واحد هو الاسلام و بالتالي يُعتبر مُقصياً لغيره من الاديان الموجوده في بلاد الرمال، ليس هذا فقط بل هو بالاضافة الى ذلك يقصى المذاهب والتعدديه الاسلاميه و يختصرها في منظورٍ واحدٍ يعتمد على الانسانِ المؤمن بهذا الفكر. يظن صاحبُ الفكر السياسي ان بلاد الرمال كلها يجب ان تكون اسلاميه، بغض النظر عن وجود مسيحيين او غير مؤمنين فالهدف هو فرض هذا الاسلام السياسي عنوةً وغصباً على كل اقليةٍ وعلى كل مُقيم على هذه الارض. لو اخذنا جمهوري اسلامي ايران مثالاً فسنجد ان الدولة تضطهد اتباع المذهب السني، وسنجد العكسَ في مملكة الرمال الكُبرى. اذاً الخلاصة هي ان الثيوقراطية التي يريدونها هي الثيوقراطيه الاسلاميه فقط.



ورغم تطرفهم الا انهم و في هذا الزمان يلاقون كثيراً من الدعم و التأييد لمبادئهم من ابناء بلاد الرمال. سبب هذا في الغالب شعور العاطفة الدينيه، الجهل بما حدث في التاريخ، فشل الدولة العربيه الحديثه الاقتصادي وانتشار الفساد بين نُخبها السياسيه، والهزائم العسكريه امام إسرائيل. لذا اجدُ احياناً صدى غريب في كلام المؤيدين لهم هو انهم يرغبون باستبدال الموجود بنظام اكثر قمعاً وشدةٍ، لا ادري لماذا؟ ولكن كمن يقول على وعلى اعدائي يارب، هل هذا يعكسُ نوعاً من اليأسِ في حياة المواطن العربي؟ لست مُتأكداً فهناك مؤيدين لهذا التيار حتى في البلاد العربية الغنية كالكويت و الامارات و قطر وغيرها. الواقع ان هؤلاء وضعوا نصب اعينهم ان تتأخر بلد الرمال وتتخلف من اجل الانتقام الوهمي من امريكا واسرائيل.



احد طرقُ فهم هذه الظاهره الغريبة هو ان نعودَ الى الوصف الذي ذكرته " الاسلام السياسي الوطني". و الذي يُشارُ اليه احياناً بالاسلامويه. والتي تجعلُ للمُسلم هدفاً واحداً في الحياة هوالجهاد. جهادُ ماذا؟ الجهاد هنا اختلط بمفهومِ المقاومةِ الذي تم غرسهُ ابّانَ انتشار النظم السياسيه القوميه العربيه و التي تميزت كُلها بلا استثناء بالراديكاليه. يتبنى الاسلام السياسي نظرة شبيهة بالمقاومة القوميه للاستعمار ولكن هذه مفادها ان على المُسلم واجباً مُقدساً على هذه الارض وهو فرض الاسلام و احكامه على الارض التي هو فيها، وبالتالي توصيل المشايخ و الملالوة و اتباع هذا التيار للحكم. يتضحُ هذا من خلال تكفير الحكام العرب والحكومات تمهيداً للقضاءِ عليها و يجعل منهم " خونةً" و "عملاء" و " مُرتدون". تشنجات تدعوا الاحياء للموت وتطالب المعاصرين بتقليد اللاسلاف البائدين في الماضي.


هذا الفكر يخلطُ العقيدة الدينيه بأدواتِ القومية الفاشيه و شعاراتها، الشخص الاسلامي السياسي لا يستطيع التفريق بين الوطنيه العربيه و بين الدغومائيه الاسلاميه. انهم يصورون لنا بلادنا بشكلٍ من التهويل والتأويل بأنها تتعرضُ لهجومٍ من قبلِ الاعداء، سواءٍ كان هؤلاءِ الاعداءِ هم اعداءِ الشعب ام اعداءُ الله. خطابهم يصف هؤلاء الاعداء وخاصة معارضيهم من بني جلدتهم بصفاتٍ متعدده و متناقضةٍ في الوقت نفسه فهم الصليبيون، وهم عملاء الصهاينه وهم الماسونيون وهم الكفرة وهم الخونة والمُضحك في الامر انهم يبدؤون بوصف المخالف على انه ينتمى الى احدِ هذه الفئات ثم فجأة تجد نفسك اصبحت من فئة اخرى فلا فرق ان قال انك صليبي والذي يفترض انك انسانٌ ديني تؤمن بالمسيحيه ، ثم يَـصفك بالـمُلحد العـلماني الذي لايـؤمن بالاديان، بعـبارةٍ اخـرى فـكرٌ كـله مناخـوليا و فـانتازيا لا يتصورها العاقل.



الاسلامويه او الاسلام السياسي مدين بالكثير من هرطقته للفترة القومية الاشتراكيه الراديكاليه، في الواقع من الممكن ان يُعتبر احياءً لتلك المرحلة بصورة قمعية اشد فتكاً وظلماً، فهو يغلِّب القوانين الشرعيه على القوانين المدنيه و يعطي وزناً للاسلام مساوياً للوطنيه و الانتماء بهدفِ الوصول الى الهدف النهائي وهو تأسيس نظم سياسية فاشية جديدة لا تعترف بالانسان وفرديته و تميزه و تجعله مجرد كبش فداء في محرقة الظلم و العنصريه، انه استبدال الاصنام، بأصنامٍ اكثر قُبحاً.


بن كريشان

هناك 5 تعليقات: