عصفور موريشيوس

6:01 ص Crono 3 Comments


بالنسبة الي، ليس هناك شيء امتع من أن استلقي على ظهري أطالع السماء في ليلة مضيئة بالنجوم ، وعندما ارى كل هذا العدد الهائل من النجوم أتخيل انني على سطح هذه المركبه الفضائيه التي نسميها كوكب الارض منطلقة بسرعة تسعين ميلا في الثانيه و هي تدور حول الشمس. أتخيل كذلك ان هناك نجوما جديده نشأت منذ الف سنه موجودة هناك.. ولكن ضوئها لم يصل الينا بعد، و قد أكون انظر الان الي نجمة تتلألأ، لم تعد موجوده لأنها ماتت و طفى نورها قبل الف سنه

أنا في جزيرة موريشيوس و التي تقع جنوب خط الاستواء و على بعد خمسمائة ميل فقط من مدغشقر .. مالذي يفعله بن كريشان هنا؟ لا ادري قررت فجأة ان اهرب من بلاد الرمال الي مكان جميل به بحر أتمتع به بالكسل حيث يمر الوقت عليك بطيئا. تقول الاسطوره الموريشيوسيه بأن الله خلق اولا موريشيوس و حباها بجمال رائع ثم وضعها في المحيط و ذهب الي السماء و خلق الجنة على شاكلتها


أفضل ما في صفاء السماء هذه الليله انني استطيع ان ارى بوضوح طرف مجرتنا المسماه درب التبانه والتي تبعد عن كرسي البحر المستلقي عليه هنا بثمانية عشر تيرليون ميل. إذا كانت هذه هي الجنه ، فأين جهنم ياترى؟ هل يوجد هناك بين تلك النجوم و المجرات مكان لتعذيب البشر اسمه جهنم؟

خرجت من مطار موريشيوس و هو اصغر حتى من مطار رأس الخيمه بعد ان فشلت في الحصول على حجز في اي من منتجعات و فنادق البلد. اقصد هناك حجز متوفر! و لكن بأسعار فوق الالف دولار لليلة الواحده.. حتى لو كان لدي المال فلن انفق هذا المبلغ على سرير داخل غرفه.. لو اضطررت فسأنام على الشاطيء ليس هناك مشكله ، فأنا من المفروض أن اكون في الجنه

الموريشسيون شعب ودوود و مسالم فصاحب التاكسي الذي اخذني من المطار قال لي لا تقلق سنجد لك مكانا و بعد محاولات عديده وجدت نفسي في هذه الفيلا بالجهة الغربيه من الجزيره، هي اشبه بكابينه من كونها فيلا، بها ثلاث غرف واحده خاليه و الاخرى مستأجره من قبل زوجين شابين، مستر اند مسز مكييل و الذان قالا لي انهما من زيمبابوي! هل هناك شقر في زيمبابوي؟ ولكن لماذا لا نصدق انهما شقر من زيمبابوي بينما نصدق ابن تيميه حين يقول ان هناك في السماء جهنم ؟ و نحن نعلم إنه لا يستطيع ان يفرق بين الجبنه الفرنسيه..وسمك السالمون


المشكله ان هذه الفيلا ليست على البحر تماما، تستطيع ان تسمع امواج المحيط و لكن بينها و بين الشاطيء بستان لنخيل جوز الهند، وعليك ان تمشي خلال بستان جوز الهند هذا لتصل الي الشاطيء العام. الشيء الرائع هو ان هذا الشاطيء هو نفس الشاطيء الذي حاول الفندق الاول ان يغرمني الف دولار بالليله عليه..كما انني استطيع ان أكل و اشرب في المطاعم و البارات التي على الشاطيء حالي حال ابو الف دولار لليله. و ان لا سمح الله حدث تسونامي.. فسأتسلق احد اشجار نخيل جوز الهند هذه.. بينما سيغرق الاثرياء في غرفهم و سيذهبون الي جهنم لأنهم قبلوا دفع هذا المبلغ الباهض و تسببوا بغلاء اسعار الفنادق في هذه الجزيره النائيه

لم تكن تلك هي المشكلة الوحيده التي صادفتني..فعندما استيقظت صباحا اخذت منشفة و توجهت للشاطيء. رأيت لافتة امام البستان تقول: إحذر من تساقط حبات جوز الهند! فصرت كل مره و قبل ان اقطع البستان الف المنشفة على راسي وكأنها عمامة الشيخ حبيب علي الجفري ..فسقوط حبة جوز هند على نافوخ المرء إن لم تقتله..فستصيبه بارتجاج في الدماغ و من يعلم؟ فقد يتسبب ذلك بتحوله الي.. الاسلام و التصديق بجهنم

حسنا اين كنا...آه قلت لكم انني جئت ابحث عن مكان يمر به الوقت ببطء، فوجدت ضالتي و لكن الي درجة الملل لذا حاولت ان اقضي الوقت على بلكونة غرفتي الارضيه أقرء كتابا..و بمجرد أن اشعلت ضوء البلكونه ...ببزززززززز هاجمتني بعوضة افريقية شرسه و قرصتني في رقبتي...لذا بطلت القراءه بالليل و صرت اشتري بعض قناني البيره المحليه فينيكس من دكان قريب و اجلس فى الظلام اتأمل جمال النجوم.. و ابحث عن جهنم في السماء



ليست كل المخلوقات في موريشيوس شريره مثل تلك البعوضه، فقد اكتشفت ان ذلك العصفور الاحمرالذي يتناول افطاره الصباحي معي كل يوم من فتات خبز الباجيت يعيش في عش على الشجرة المقابله، سميته عصفور موريشيوس كوني من بلاد الرمال القاحله و لا اعرف هذه الفصيله من العصافير..كما ان هناك ضفدعا يميل الي اللون البني و له رقبة سمينه رغم صغر حجمه، كان يأتي من بستان جوز الهند و يمر امام غرفتي قفزا عدة مرات بالليله..سميته حسين الجسمي تيمنا بمطربنا الشهير، فخر امارات الرمال..ثم هناك عبدالله بالخير و هو سحلية منزل خضراء اللون تعيش داخل غرفتي و اسلم عليه كل يوم قبل ان ادخل لأخذ الدوش المسائي و اقول له مساك الله بالخير ياعبدالله بالخير ..و هناك كثير و كثير من النمل يدخل و يخرج من الغرفه أطلقت على بعضها اسماء فتلك ساميه و هذه شمس و تلك لطيفه..لحظه، اليست تلك فوزيه؟ ..فوزيه أهذا انت؟.. جاوبيني توقفي..لم ارى نملا في حياتي يشتغل بالليل، اضافة الي العناكب التي تحتل جميع زوايا الغرفه

أحيانا اعزم الزوجين الزيمبابويين ليتناولا البيرة معي من فرط الوحده و الملل و الحاجه الي ان اتحدث مع بعض البشر قبل ان انسي استخدام اللغه البشريه و اصبح مثل النبي سليمان اتكلم مع النمل و الضفادع..فسألتهما مرة اين تقع جهنم في هذه السماء؟

قال مستر جلن مكييل و هو شاب يضع الجيل على شعره و يوقفه بطريقه و كأنه نزل للتو من قيادة سياره مكشوفه: ان البابا السابق المرحوم جون بول الثاني كان قد صرح بأن جهنم غير موجوده فعليا فهي نتيجة ارتكاب الذنوب و ليست مكانا فعليا..ولكن زوجته الصغيره شيرل مكييل خالفته قائلة: ان البابا الجديد بينيدكت السادس عشر ناقض ذلك الراي وقال ان النار هي مكان فعلى لحرق و تعذيب المذنبين..خفت ان يتخانق الزوجان على امر سخيف كالدين و اتسبب بطلاقهما..فغيرت الموضوع الي شيء اكثر أهميه..هل هناك ديسكو بعاصمة موريشيوس بورت لويس؟




اينما كانت هذه الجهنم فهي ليست بالتأكيد هنا في هذه السماء الصافيه. هناك اشياء ركبت على مر الازمان و تناقلتها القصص مع انها لا تمشي مع بعض. خذ مثلا الشعب الموريشيسي فهو خليط من هنود البيهار و الصينيون و الكريول و الاخيرين هم عنصر افريقي مختلط بالفرنسيين ..لذا لا تجد عندهم شيء نستطيع ان نسميه المطبخ الموريشيسي ..هذا ان استطعتم نطق الاسم على الاقل

هناك بعض الاشياء تمشي مع بعضها مثلا القهوه مع الحليب..سندويتش الهام مع الجبنه ..الطماطم مع الموتزريلا ...الشيخ بن باز مع السلفيه..و هناك اشياء لا تمشي مع بعضها ففي موريشيوس مثلا عندهم البرياني الهندي بصوص بروفنسال الفرنسي ..و يأكلون التندوري بخبز الباجيت..و هناك تلك المرأه العجوز التي تبيع الموز على الشاطيء مرتدية الساري الهندي و تنادي بالفرنسيه

Monsieur Veux tu de la banane?

جميع السواح يشترون منها هذا الموز الافريقي الصغير الا انا.. فأنا لم آت هنا لأكل الموز على شاطيء البحر...كم هو جميل اختلاط البشر في هذه الجزر



من المهم دراسة الاديان و التاريخ و علم اللغات معا لفهم اصول طقوس و معتقدات البشر. بالنسبة لجهنم يقال انه كان بالقدس أيام المسيح محرقه خارج المدينه تسمي وادي هنّوم، وهنوم هذا كان اسم الشخص اليهودي الذي يمتلك تلك الارض. كان من عادة اليهود حرق الزباله و حيوناتهم النافقه لمنع انتشار المرض في تلك المحرقه و ربما اشار المسيح بعد ان عاد من احدى مشياته الصباحيه فوق مياه بحيرة طبريا و قال لليهود ان لم تقبلوا بي مخلصا فستنتهي حياتكم بدون قيمه مثل الزباله في وادي هنوم حيث الدود لا يموت و النار لا تنطفيء- مرقس

يعتقد اليهود ان من المهم الاحتفاظ بجثة الانسان سليمة ليتحقق لها البعث..و كانوا يحرقون جثث المجرمين و الكافرين الذين لا فائدة من بعثهم..فيكون لهم الفناء الابدي..وكانوا يحرقون هذه الجثث في وادي هنوّم أيضا و فيها كما يقول العهد القديم في كتاب الرسل ضحى الملك احاز و الملك اليهودي مناسيح بأبنائهم حرقا للأله بعل

كانت الاديان السابقه عند السومريون و قدماء المصريون و البابليون و الاغريق و الرومان تعتقد بالبعث بعد الموت و بالعذاب في العالم السفلي..هذه الاديان أثرت بشكل كبير على الاديان التي جاءت من بعدها مثل الزراديشتيه و اليهوديه بفكرة العذاب بعد البعث.. و لكن فكرة جهنم كمحرقه و نار! لم تظهر قبل وصول المسيحيه الي روما






كانت الترجمه اللاتينيه والتي كانت بقصد ام بدونه هي ادخلت فكرة المحرقه الي المسيحيه. ففي العهد القديم ترجمت كلمة جي- هنوم اي وادي هنوم الي جيهنا و تحولت بقدرة قادر بخطأ المترجم الى مكان لحرق المذنبين. عند قراءة العهد القديم تجد المسيح الذي يتحدث بالعبريه يكلم اليهود عن بقعة او مكان جغرافي اسمه جي-هنوم بينما في العهد الجديد يتكلم عن مكان بعد البعث. ثم جاءت كتابات القديس اوغستين و دانتي و ميلتون و توما الاكويني و التي خلدت فكرة جهنم كمحرقة الهيه للاشرار . كلمة جهنم في العربيه اسم اعجمي جاءنا من العبرانيين و يعني في الاصل نفس وادي هنوم و هو دليل التأثر الاسلامي بالعبرانيه اليهوديه ، وقد تفنن القرءان و كتب التراث الاسلامي في وصف عمليات التعذيب بها

يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم و جنبوهم و ظهورهم-التوبه
و قالوا لا تستنفروا في الحر قل نار جهنم اشد حرا- التوبه
من ورائه جهنم و يسقى من ماء الصديد يخ! - ابراهيم جمعه..اقصد سورة ابراهيم
جهنم يصلونها و بئس القرار-
سورة ابراهيم ايضا

مثلما اقنعتنا هوليوود بوجود الاشباح..اقنعتنا كتب التراث الاسلامي بوجود جهنم






كم هو غريب انه في عصر كهذا يصدق الناس وجود هذه المحرقه في السماء؟

كنت عائدا الي بعد الغروب الي الفيلا عندما سمعت صوت الزوجين الزيمبابويين ينادياني من احد بارات الشاطيء لأشاركهم بكأس بيره . فجلست معهم نتحدث و تحول المشروب الي عدة مشاريب..ثم ودعتهما بعد ان اظلم الوقت لأذهب و استحم من ملح البحر





كم كان صعبا المشي في الظلام خلال بستان جوز الهند..كنت اضع يدى فوق رأسي خشية سقوط احد حبات جوز الهند عليه... و بينما انا هكذا..تزحلقت فجأة... فطارت رجلاي بالهواء و ارتطم جسمي بالممشي الاسمنتي بقوه.. آخ.. لقد كانت وقعة مؤلمة جدا قمت بعدها اتحسس عظامي خوفا من ان اكون قد كسرت احدها....اخ.. لقد كان شيئا لزجا هذا الذي تزحلقت عليه..لابد انها موزه من تلك التي تبيعها المرأه ذات الساري الهندي وقد وقعت من احد السواح ..فلعنتها الف لعنه بأن تذهب الي الجحيم و بئس المصيرهي و الموز الذي تبيعه

في صباح اليوم التالي وفي طريقي الي الشاطيء لم اقاوم ان اذهب و ابحث عن الشيء الذي تزحلقت عليه..على الاقل أزيل هذه الموزه من الممشي حتى لا يتزحلق عليها احد... و يالهول مارأيت؟

لم تكن موزه!..لقد كان ضفدعا مسحوقا على أرضية الاسمنت..يا إلهي.. لقد قتلت حسين الجسمي

بن كريشان

هناك 3 تعليقات:

  1. اسلوب ممتع وجميل في السرد للوصول الى الحقيقة
    احسنت التفكير يا بن كريشان العظيم

    ردحذف
  2. أقتبس بداية حديثك يا بن كريشان في هذه المقالة قولك :( أتخيل كذلك ان هناك نجوما جديده نشأت منذ الف سنه موجودة هناك.. ولكن ضوئها لم يصل الينا بعد، و قد أكون انظر الان الي نجمة تتلألأ، لم تعد موجوده لأنها ماتت و طفى نورها قبل الف سنه...)


    يقول الله تعالى ( فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) وهذا القَسم القرآني العظيم بمواقع النجوم يشير إلى سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى إحدى حقائق الكون المبهرة‏,‏ والتي مؤداها أنه نظراً للأبعاد الشاسعة التي تفصل نجوم السماء عن أرضنا‏,‏ فإن الإنسان على هذه الأرض لا يري النجوم أبدا‏ً,‏ ولكنه يري مواقع مرت بها النجوم ثم غادرتها‏,‏ وفوق ذلك أن هذه المواقع كلها نسبية‏,‏ وليست مطلقة‏,‏لأن الضوء كأي صورة من صور المادة والطاقة لا يستطيع أن يتحرك في صفحة السماء إلا في خطوط منحنية، وعين الإنسان لا ترى إلا في خطوط مستقيمة وعلى ذلك فإن الناظر إلى النجم من فوق سطح الأرض يراه على استقامة آخر نقطة انحنى ضوؤه إليها، فيرى موقعا وهميا للنجم غير الموقع الذي انبثق منه ضوءه، فنظرا لانحناء الضوء في صفحة السماء فإن النجوم تبدو لنا في مواقع ظاهرية غير مواقعها الحقيقية، ليس هذا فقط بل إن الدراسات الفلكية الحديثة قد أثبتت أن نجوماً قديمة قد خبت أو تلاشت منذ أزمنة بعيدة‏,‏ والضوء الذي انبثق منها في عدد من المواقع التي مرت بها لا يزال يتلألأ في ظلمة السماء في كل ليلة من ليالي الأرض إلى اليوم الراهن‏,‏ ومن هنا كان هذا القسم القرآني بمواقع النجوم‏,‏ وليس بالنجوم ذاتها ـ على عظم قدر النجوم ـ التي كشف العلم عنها أنها أفران كونية عجيبة يخلق الله‏‏ تعالى‏ لنا فيها كل صور المادة والطاقة التي ينبني منها هذا الكون المدرك‏، ثم إن عدد ما أحصاه علماء الفلك من النجوم في الجزء المدرك من السماء الدنيا إلى يومنا هذا تعدى سبعين مليار تريليون نجم.
    يأتي القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة من السنين ليقسم بمواقع النجوم هذا القسم العظيم‏,‏ مؤكدًا نسبية وأهمية وتعاظم تلك المواقع‏,‏ وأن الإنسان لا يمكن له رؤية النجوم من فوق الأرض‏,‏ وكل ما يمكن أن يراه هي مواقع مرت بها النجوم‏,‏ ويأتي العلم في نهاية القرن العشرين مؤكدا كل ذلك‏..!!‏

    ومن أراد الإستزاده أحيله للمقطع التالي للدكتور محمد راتب النابلسي يشرح فيه الإعجاز العلمي في قوله تعال ( فلا أقسم بمواقع النجوم )
    http://www.youtube.com/watch?v=0LucuIHUCAY

    ردحذف
  3. انا خالتي كانت تقولي وانا صغير: "اهجد لا اوريك نجوم الظهر".
    وهي ليست متعلمة. فانظر رحمك الله الى هذا الاعجاز في كلام خالتي الامية فكيف عرفت ان النجوم توجد في الظهر، وهي لم تر كسوفا ولم تسمع به.

    فلنتوقف قليلا عند هذا الدليل القاطع على نبوة خالتي صلى الله عليها و سلم.

    ردحذف